سجود النمرود لإبليس وتعليمه السحر؟!

بعد طوفان سيدنا نوح أتت حقبة شهدت طغياناً لم تشهده حقبة أخرى في التاريخ الإنساني ، وكانت الحضارة الظاهرة في ذلك الوقت هي حضارة أهل بابل والتي توافد عليها ملوكاً من عتاة التاريخ ، وكان من بينهم ملكاً إسمه " النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح " ، بحسب ما ذكره «ابن كثير». .


كان النمرود مفتوناً بالسلطان والقوة ، وبدأت فكرة تعلم السحر من رغبته الجامحة في السيطرة على مُلك الدنيا لكي لا يكون لأحد ملكاً كملكه فيمن سبق ومن لحق ، فكانت الصفقة الأولى بين إنسي وشيطان رجيم أو كما أشير له بإسم "إبليس" بأن يبيع له نفسه وروحه بالطغيان الكامل والطاعة مقابل القوة والسلطة والسيطرة على العالم بالملك . 

فأمر إبليس النمرود أن يسجد له إذا كان يريد الجبروت والقوة ، فسجد له النمرود ، و بدأ يتعلم منه السحر و ملك الأرض ، وبالفعل أعطى إبليس النمرود كل أسرار وتعاليم السحر التي تمكن له ما أراد .

بدأ النمرود السيطرة على المُلك بقتل والده "كوش" ، وأمر أهل مملكته بالخضوع له والإمتثال الكامل لأوامره ونواهيه كإله وملك للأقاليم السبعة لا يوجد له مثيل أو شريك في الملك .

قال ابن كثير في كتاب «البداية والنهاية» : 
أنه أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية ، وأستمد فكرة التاج من ملوك الجن ، واستمر في ملكه أربعمائة سنة ، وكان قد طغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا».

وأراد أن يؤسس مقراً لمملكته فجمع مئات الآلاف من أهل مملكته يقدرون بنحو ستمائة ألف رجل ، وطلب منهم أن يشيدوا له برجاً لا تُبلغ قمته إلا بمسيرة عام كامل وكان له ما أراد ، وشيدوا له برجاً هو أول عجيبة من عجائب الدنيا . 

يقول القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» : إستقر النمرود في ملكه حتى جاء يوم رأى في منامه حلماً : ( بأنه نظر للسماء فإذا به يرى فارس على جواده يأتي في مواجهته ، ولما أعاد النظر وجد أن الفارس قد إختفى ليحل محله كوكب متألق في مواجهة الشمس ، ولما أعاد النظر مرة أخرى وجد أن الشمس إختفت والكوكب كأنه فارس يعدو بقوة جهة الأرض موجهاً اليه سلاحه ) .

ففزع النمرود وإستيقظ من نومه وأمر بالصفوة من علماء بابل كي يفسروا له رؤياه ، فأجمعوا على أن تفسير ذلك هو أنه سيولد في مملكته ولد تكون نهايته بظهوره ، فثار النمرود ثورة عارمة وأمر بأن يقتل أي مولود يولد في مملكته ، فقتل كثيراً من الأطفال وأمر جنوده بأن يقتحموا البيوت ليفتشوا فيها عن كل مولود ، وكان من بين من ولد في تلك الحقبة سيدنا إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء ، ولكن أمه أخفت خبر مولده ونجحت في تضليل جنود النمرود عنه حتى صار يافعاً ، وعندها تحدى عباده النمرود والأصنام. 

لما رأى سيدنا إبراهيم في قومه الضلال والطغيان من عبادة الأصنام التي يتوسلون بها للكواكب التي كانت هي آلهتهم ومنها الشمس التى يمثلها النمرود ، أبى ذلك وأصر أن يحطمها حين خروج الملك وأهل قومه للإحتفال بأحد الأعياد ، فذهب إلى معبدهم الذي كان يسمى "أور" وحطمهم جميعاً إلا صنماً ضخماً فيهم إسمه "مردوخ" وضع على كتفه الفأس ورجع .

عاد النمرود وأهل مملكته فصدموا بما رأوا من تحطم أصنامهم ، فتعقبوا إبراهيم لسابق علمهم بكرهه للأصنام ، وحين وصلوه قالوا له : لم حطمت آلهتنا .
=فأجاب: "بل فعله كبيرهم الذي كسر الأصنام الأخرى لأنه يغار منهم ، فإسألوهم إن كانوا ينطقون ".

غضب القوم غضبة شديدة وأخبروا النمرود بما حدث من إبراهيم ، فأمر بأن توقد ناراً عظيمة وأن يأتوا به ويلقوه فيها على مرأى القوم ليكون عبرة لغيرة ، جمع الناس الحطب وأشعلوا النيران وأتوا بإبراهيم وألقوه فيها ، ولكن جعلها الله بردًا وسلامًا عليه ، كما ذكر في القرآن الكريم. 

وحين هدأت النار وانطفأت ذهبوا ليجمعوا رمادها ورماد إبراهيم ، فإذا به يخرج من تحت الرماد ولم يصبه لا حرق ولا ضرٍ سليماً معافى .. فإندهش الناس وأمن منهم من أمن .

فتعجب النمرود كيف نجا إبراهيم عليه السلام من النار التي أعدها قومه لتحرقه فنجاه الله بأمره ، فأراد النمرود مناظرته ومجادلته في أمر ربه ، وأمر النمرود بإبراهيم فجاءه قال له : من ربك؟! 
قال إبراهيم : ربي الذي في السماء. 
فقال له النمرود: وماذا يفعل ربك هذا؟! 
أجاب إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت.
قال: له أنا أحيي وأميت .. وأمر بإثنين محكوم عليهما بالإعدام وقتل أحدهما ، وقال : أحييت هذا وأمت هذا.
فقال سيدنا إبراهيم له : أحيي من قتلت لو تقدر .. ثم إن ربي يأتي بالشمس من المشرق فإت بها أنت من المغرب.
=فبهت النمرود ولم يستطع الرد .

فبعث الله إلى ذلك الملك الجبّار ملكًا من الملائكة يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه ، ثم دعاه الثانية فأبى عليه ، ثم دعاه الثالثة فأبى عليه ، وقال : اجمع جموعك وأجمع جموعي.

فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس ، فأرسل الله عليه جيشاً من البعوض ، بحيث لم يروا عين الشمس وسلّطها الله عليهم ، فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا باديةً ، وقد تبعته بعوضة ودخلت في أنف النمرود وأستقرت في رأسه فمكثت أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها ، فكانت لما تدور بها تعذبه عذاباً أليماً ولا يسكتها إلا أن يضربه جنوده بالنعال على رأسه حتى يخر يسيل الدم من أنفه ، حتى أهلكه الله عز وجل بها.

مات في قلعته برج بابل الذي بناه ليبارز ملك السماء ، و لم يعد له أثر يذكر رغم أنه كان شاهداً على عجيبة لم تحدث في الأرض .

@donkorliony

المصادر البحثية :
 
- الكامل في التاريخ - ابن الاثير 
- البداية و النهاية - ابن كثير 
- الجامع لأحكام القرآن - الامام القرطبي
- تدقيق بحثي محمد عبد العزيز

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف أخطأ الإمام بن تيمية «غفر الله له» حين قال أن الأرض كروية؟!

مذبحة الهنود الحُمر المسلمون في أمريكا

●● عندما قلد «عبد المنعم مدبولي» صوت الكلب في سجون «جمال عبد الناصر»؟!