#الجذور_الاقتصادية_والاجتماعية_ لظاهرة المجون في العصر العباس

 لفتتْ ظاهرة المجون نظر الكثير من الباحثين العاملين في حقل التراث والتاريخ الإسلاميين، وإنْ كان للاستشراق الفضل في تلقّف هذه الظاهرة، ومحاولة سبر أعماقها. فكيف ساهمت العوامل الاقتصادية في العصر العباسي في زيادة منسوب الترف، بفضل الازدهار الاقتصادي والتجاري؟

شاعت ظواهر كثيرة نجد صداها في الأدب، خاصةً الشعر، والمدونات التاريخية، وكتب الرحلات. وترتب على هذا الترف انتشار الحانات في الحواضر الكبيرة، وانتشار التغزل بالغلمان والجواري، ولنا في أبي نواس و"عصابة المُجّان"، حسب ما أُطلق عليهم، خير مثال على هذه الظاهرة.

"برز الترف كسمة أساسية لحياة الفئات العليا في البنية الاجتماعية، في العصر العباسي، ومكّن الازدهار الاقتصادي هذه الفئات من الإنفاق أكثر على جوانب استهلاكية ترفيهية، مثل الخمور والعطور وشراء الجواري والغلمان"

كنّا إذاً أمام بناء صناعي قوي في ذلك العصر، ساهم بشكل كبير في بناء الصرح الحضاري للخلافة العباسية، خاصةً أن تلك الصناعات كانت لها فائدة من زوايا عدة: إشباع حاجات الطبقة الحاكمة التي ازداد استهلاكها بمرور الوقت، ورفد الخزانة بإيرادات ضخمة من خلال فرض الضرائب والمكوس، وهو ما أتاح ظهور طبقات أكثر ترفاً في المجتمع العباسي.

"ارتبط المجون في العصر العباسي بالطبقات والشرائح العليا وبعض المثقفين، بينما كان الزهد من نصيب الفئات الأكثر فقراً والأقل دخلاً"

ويرى بعض الباحثين أن الفرس مزجوا الإسلام والعادات والتقاليد العربية بتقاليدهم وثقافاتهم، ومنها ظاهرة الترف الشديد، والاهتمام باقتناء الجواري والغلمان، مما ساعد في انتشارهم وانتشار الحانات.

ولكن ظاهرة المجون لا ترتبط فقط بعادات الفرس وتقاليدهم، وكأنها ظاهرة مستجلَبة من ثقافة أخرى غير عربية، لأن المجون كان معروفاً لدى العرب قبل الإسلام وبعده على السواء، ومَن يقف قليلاً على مصادرنا التراثية سيدرك على الفور ضعف الرأي القائل بدور الفرس في نشر المجون والمثلية الجنسية وشرب الخمر... إلخ. ولكن قد يكون للفرس دور محفز.

أيضاً نشأت ثلاث ظواهر مختلفة مرتبطة بشكل كبير بانتشار الترف والخلاعة والمجون:

الأولى هي الزهد، وجاءت كرد فعل عنيف على حالة الترف الشديد الناتجة عن وضع اقتصادي مزدهر، وتمازج الزهد مع بروز رؤى روحانية وصوفية معادية بدرجات مختلفة لسيطرة المادية واللذة.

الثانية هي المجون والتخلع، والاستغراق في السعي إلى اللذة والمادية على حساب الروحانية والقيم الدينية، ويمكن أن نحيل إلى شعر أبي نواس في مرحلة مجونه وشقاوته.

الثالثة هي الزندقة، وتعني ببساطة عدم الاعترف بالتأويلات السائدة للدين، والاستخفاف بمسائل عقائدية بشكل يبدو من وجهة نظر الإسلام الرسمي كفراً بواحاً وإلحاداً.


المراجع: 

- تدوين المجون في التراث العربي

عبد الله بن سليم الرشيد

-تاريخ الأدب العربي- شوقي ضيف

- موقع رصيف ٢٢


@donkorliony

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف أخطأ الإمام بن تيمية «غفر الله له» حين قال أن الأرض كروية؟!

مذبحة الهنود الحُمر المسلمون في أمريكا

●● عندما قلد «عبد المنعم مدبولي» صوت الكلب في سجون «جمال عبد الناصر»؟!